عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

18

اللباب في علوم الكتاب

فصل في معنى الآية ومعنى الكلام : لو كنت جافيا ، سيّىء الخلق ، قليل الاحتمال . وقال الكلبيّ : فظا في القول ، غليظ القلب في الفعل ، لانفضوا من حولك وتفرّقوا عنك وذلك أن المقصود من البعثة أن يبلّغ الرسول تكاليف اللّه تعالى إلى الخلق ، وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه ، وسكون نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما بهم ، كريما ، يتجاوز عن ذنوبهم ، ويعفو عن سيئاتهم ، ويخصهم بالبرّ والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرّءا عن سوء الخلق ، وغلظة القلب ، ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، وكثير القيام بإعانة الفقراء . وحمل القفّال هذه الآية على واقعة أحد ، فقال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يوم أحد ، حين عادوا إليك بعد الانهزام وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ فشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ هيبة منك وحياء ، بسبب ما كان منهم من الانهزام ، فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم . قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ جاء على أحسن النسق ، وذلك أنه - أولا - أمر بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصّة نفسه ، فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين اللّه تعالى ، لتنزاح عنهم التبعات ، فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذا صاروا خالصين من التبعتين ، مصفّين منهما . والأمر هنا - وإن كان عاما - المراد به الخصوص . قال أبو البقاء : الأمر - هنا - جنس ، وهو عامّ يراد به الخاصّ ؛ لأنه لم يؤمر بمشاورتهم في الفرائض ، ولذلك قرأ ابن عباس « 1 » : في بعض الأمر وهذا تفسير لا تلاوة . فصل [ في المراد بهذه الآية ] فصل ظاهر الأمر الوجوب ، و « الفاء » في قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ تدل على التعقيب ، وهذا يدل على أنه - تعالى - أوجب عليه صلى اللّه عليه وسلم أن يعفو عنهم في الحال ، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم إليه ، فقال : وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 134 ] وقوله : وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ يدل دلالة قوية على أنه - تعالى - يعفو عن أصحاب الكبائر ، لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة ، لقوله تعالى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ الأنفال : 16 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلم حين عد الكبائر - : « والتولي يوم الزحف » وإذا ثبت أنه كبيرة ، فاللّه تعالى - حضّ - في هذه الآية - على العفو عنهم ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاستغفار

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 105 ، والدر المصون 2 / 246 .